صبحي الصالح

139

مباحث في علوم القرآن

يدخلها القتل « 1 » . وإن التمسنا للواحدي مثل هذا العذر ، فأي عذر لابن جرير الطبري المفسر المؤرخ الذي لم يكتف بذكر حادثة بختنصر كما فعل الواحدي ، بل اختارها من بين طائفة من الأقوال كعادته ، فصرح قائلا : « وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال : عنى اللّه عز وجل بقوله : « ومن أظلم ممن منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه » النصارى ، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس ، وأعانوا بختنصر على ذلك ، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده » ؟ ! « 2 » ما بال ابن جرير يرجح هذا القول ويختاره وهو المؤرخ الحجة الحافظ ؟ ألنا على الصعيد العلمي أن نحمل قوله على بختنصر الثاني دفاعا عنه وتحيّزا إليه أم نسلم بالخطإ التاريخي يقع به أكابر العلماء وأوثق الحافظين ؟ ولو استعرضنا نظائر هذه الأخطاء التاريخيّة التي حملت حملا على أسباب النزول ، وأنطقت القرآن بما لم ينطق ، لطال بنا الاستعراض ، وامتد بنا التجوال ، وإنما ننتهزها فرصة لنضع أيدينا على السرّ الكامن وراء هذه الأخطاء ، فهو في نظرنا ظن أكثر العلماء أن لا بدّ لكل آية من سبب نزول حتى في وقائع الأمم الماضية التي دفنت معها أسبابها ونتائجها ، وطويت في رموسها مقدماتها وعواقبها ، فإن كان لزاما التماس سبب نزول لها فليكن متعلقا بالأحياء على عهد الرسول الكريم ، سواء أكانوا من المؤمنين أم من المشركين أم من أهل الكتاب . فبدلا من أن يقال في الآية التي نحن فيها : إن سبب نزولها دخول بختنصر أو طيطوس بيت المقدس لتخريبه ، تلقى نظرة فاحصة على السياق القرآني قبلها فيلاحظ أنه كان خطابا لأهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم ، وأنه بالضرورة

--> ( 1 ) تفسير المنار 1 / 431 . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 397 . ومن العجيب أن ابن جرير يستدل على صحة ما ذكره بعبارة طويلة لا مجال لنقلها هنا ، فليراجعها القارئ إن شاء 1 / 398 .